إشارة عدم التصرف  قراءة في قانون الهيئة – النافذ  

   القاضي علاء جواد

 

       عبر أكثر من تشريع للاختصاص النوعي لهيئة دعاوى الملكية، ابتداءً من اللائحة رقم 8 لسنة 2004 واللائحة رقم 12 في العام نفسه، ومروراً بالقانون رقم 2 لسنة 2006 الملغى، وانتهاءً بالقانون النافذ رقم 13 لسنة 2010، فان كثير من مواضيع الاختصاص النوعي للهيئة تعرض لتعديل احكامه على وفق التطبيق العلمي للائحة او القانون، وما يعترضهما من صعوبات جدية على مستوى التطبيق او التصور الفقهي لقانونها.

 وعمدت الهيئة عبر هذه المدة البحث عن انجع الوسائل للوصول الى خلق موازنة بين اطراف الخصومة بالحق المتنازع فيه، وبما لايضيع أصل الحق. وتعد إشارة عدم التصرف الموضوعة على العقارات المقامة بشأنها دعاوى امام اللجان القضائية احد اوجه تلك الصعوبات من جوانب عدة. منها:

1. ان وضع اشارة عدم التصرف على العقار يُعد من موانع التسجيل في دوائر التسجيل العقاري. وهو من القيود القانونية التي تمنع او تحد مالك العقار من التصرف به على وجه ينقص حقه في الملكية. وقد اشارت (م/ 96) من قانون التسجيل العقاري رقم (43) لسنة 1971 المعدل صراحة الى ذلك:

(يراد بموانع التسجيل القيود القانونية التي تمنع من اجراء التسجيل سواء تعلقت بالعقار نفسه او باصحاب الحقوق العقارية..)

2. اذا كان هذا المانع القانوني يحد من حق الملكية يؤثر مباشرة على اصحاب الحقوق من الاشخاص الطبيعية، فانه أكثر اتساعاً في ضرره على المال العام. خصوصاً اذا كانت تلك العقارات او الاراضي موضوع مشاريع تنمية، وتدخل في خطط الحكومة الاتحادية او خطط المجالس البلدية في المحافظات، لان مثل هذه الاشارة تمنع من تنفيذ هذه الخطط الابعد حسم المنازعات القانونية بشأنها والمقامة دعاوى امام اللجان القضائية في الهيئة. حتى وان كانت تلك الاراضي او العقارات تم افرازها عن الاصل. لان اشارة منع التصرف تنتقل الى الوحدات المفرزة بموجب (م/101/ ف4) من قانون التسجيل العقاري رقم (43) لسنة 1971 المعدل التي اوجبت ذلك.

3. ان وضع إشارة عدم التصرف بمجرد اقامة الدعوى امام اللجان القضائية في تشريعات هيئة دعاوى الملكية السابقة على القانون النافذ رقم (13) لسنة 2010. ومن بينها (م/15) من القانون رقم (2) لسنة 2006 الملغى، والتي اوجبت وضع اشارة عدم التصرف على العقار موضوع الدعوى بمجرد قبول اقامة  الدعوى. حيث جاء فيها:

(على رئيس اللجنة القضائية وضع إشارة عدم التصرف على العقار موضوع الدعاوى، وذلك باشعار دائرة التسجيل العقاري المختصة بذلك عند اقامة الدعوى).

وهي قاعدة قانونية أمرة، كان الهدف منها الحفاظ على المركز القانوني لأطراف النزاع، على أمل حسم مثل هذه الدعاوى بوقت قصير نسبياً، لكي يتمكن المتداعين من حقوقهم على وفق القانون النافذ في حينه، وبما يحقق العدالة والانصاف في موضوع النزاع. غير ان طول مدة التداعي والتي استمرت، في كثير من الاحيان، الى اعوام عدة. جعل من مثل هذا الاجراء مضراً باكثر من طرف. وقد يصيب الحياة الاقتصادية خصوصاً في ما يتصل بالمال العام بالشلل في تنفيذ المشاريع التنموية وخطط الاستثمار للحكومة الاتحادية او الاقليم او المحافظات. واذا كان تعريف الدعوى بموجب (م/2) من قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 المعدل، وصفها بأنها:

(طلب شخص حقه من آخر امام القضاء)، فأن مثل هذا الطلب لايجعل من مجرد اقامة الدعوى اقراراً بوجود الحق. فقد تُرد الدعوى، مثلاً لعدم الاختصاص، او ان المدعي لم يكن محقاً في طلبه. او ان التصرف الذي ادى الى التغيير ملكية العقار كان وفق الاجراءات القانونية.

في جميع الاحوال، فان مجرد اقامة الدعوى لايعني الاقرار بالحق المطالب به. فهو يتطلب قراراً من اللجنة القضائية تتخذه على وفق قانون المرافعات وقانون الاثبات النافذين، ويدخل في الاختصاص النوعي للهيئة وعلى وفق قانونها النافذ.

4. في كثير من الدعاوى التي تقام امام اللجان القضائية في الهيئة، يذهب خيار المدعي الى المطالبة بالتعويض. واذا كانت هذه الدعاوى لاتهدف الى تغيير صفة المالك الاخير للعقار. فان التعويض، بالمقابل، ينصب، في الاعم الاغلب، على الجهة التي صادرت العقار، وهي جهة حكومية لايتوقع تغير مركزها القانوني، ولا ان تصاب بضيق ذات اليد.

لذا فأن وضع إشارة عدم التصرف على العقار او الاراضي المشمولة بقانون الهيئة، مع كون المالك الاخير غير مطالب بالتعويض، او ان المطالبة به يتجه الى الدوائر الحكومية (وزارة المالية مثلاً) يحد من حق المالك الاخير (سواء كان طبيعياً او معنوياً) في التصرف بملكه، ويحد من ادارة الدولة من التصرف بها ايضاً من دون حاجة ملحة الى ذلك.

مما تقدم تطلب من المشرع التدخل لخلق التوازن بين حقوق المتداعين في الحق المتنازع فيه امام اللجان القضائية، ومن ابرز تلك المصالح عدم إعاقة حقوق ثابتة لاصحابها حين يلجأ المدعي ليس الى انتزاع حقه في الملكية وانما المطالبة في التعويض عنه. وهو ما جاء في (م/2) من قانون الهيئة النافذ رقم (13) لسنة 2010، وفي الفصل الاول منه (التأسيس والاهداف). حيث جاء في الفقرة (ثانياً) منها: (الحفاظ على المال العام ومعالجة عدم التوازن بين مصالح المواطنين ومصلحة الدولة).

وعليه واستناداً الى هذا القانون والتعليمات الخاصة بتنفيذه، ولغرض الوصول الى آلية تضمن عدم وضع اشارة عدم التصرف على العقارات موضوع دعاوى تقام امام الهيئة، ولضمان عدم صدور كتب عن الهيئة تؤدي الى تقييد حقوق المواطنين في التصرف بعقاراتهم، ودوائر الدولة، ولكي تسهم الهيئة في تمكين مؤسسات الدولة من الافادة من العقارات المسجلة باسم وزارة المالية وامانة بغداد والبلديات وكافة الوزارات الأخر في مشاريع الاستثمار وتخصيص العقارات وبما يحقق النفع العام منها.

نرى:

1. الاصل ان العقارات غير مقيدة بالدعاوى المقامة امام اللجان القضائية في الهيئة. وان دائرة التسجيل العقاري هي الدائرة المختصة بتأشير التصرفات التي ترد على العقارات او تقييدها.عملاً بأحكام (م/ 10 /1)  من قانون التسجيل العقاري رقم (43) لسنة 1971 المعدل. حيث جاء فيها:

(تعتمد السجلات العقارية وصورها المصدقة وسنداتها اساساً لأثبات حق الملكية والحقوق العقارية الاخرى، وتعتبر حجة على الناس كافة بما دون فيها مالم يطعن فيها بالتزوير، ولايقبل الطعن بالصورية في التصرفات المسجلة فيها).ومنها إشارة عدم التصرف، خصوصاً ان اضبارة العقار مودعة لديها.

وتأسيساً على ذلك:

لايتصور ان تقوم دائرة التسجيل العقاري بمفاتحة هيئة دعاوى الملكية او اللجان القضائية فيها، لاعلامها عن وجود دعوى مقامة امامها عن عقار بعينه.

والصواب ان تفاتح دائرة التسجيل العقاري الهيئة في حالة وجود كتاب صادر اليها من الهيئة على قيد العقار لبيان مصير الدعوى.

والمقترح:

أ. ان تمتنع دائرة التسجيل العقاري عن مفاتحة الهيئة في حالة عدم وجود قيد على العقار.

ب. مفاتحة الهيئة في حالة وجود قيد على العقار لبيان مصير الدعوى.

ان مثل هذه الاجراءات تسهل عمل الدوائر الحكومية والمواطنين وتمنع من استغلاله من قبل أطراف مستفيدة من بقائه.

2. على عكس قانون الهئية الملغى رقم (2) لسنة 2006 الذي اوجب وبحكم (م/15) منه، وضع إشارة عدم التصرف على العقارات بمجرد اقامة الدعاوى امام الهيئة. في حين منح القانون النافذ رقم (13) لسنة 2010 في (م/12) منه والتعليمات الخاصة بتنفيذه السلطة التقديرية لرئيس اللجنة القضائية مجالاً اوسع لتقدير الحاجة الى وضع إشارة عدم التصرف على العقار موضوع الدعوى مسترشداً بمجموعة ضوابط. منها: مراعاة اصل العقار ومفرزاته. واذا كانت المطالبة بالتعويض وليست اعادة العقار. وهو ما استقر عليه رأي الهيئة التمييزية بالعدد (10 / 794 ) في 29/ 5 / 2007 وغيرها من الحالات.

وعليه:

أ. ان جميع حالات وضع إشارة عدم التصرف على العقارات موضوع دعاوى مقامة امام الهيئة بحاجة الى مراجعة.

ب. بامكان المتضرر تقديم طلب رفع إشارة عدم التصرف في الحالات التي ليس فيها سند قانوني لبقائها.

3. منح القانون النافذ للهيئة وبموجب البند (الحادي عشر) من (م/17) منه الحق لدوائر الدولة اعلان رغبتها وخلال (60) يوماً عن تمسكها بالعقار موضوع الدعوى من عدمه، تبعاً لتحقق المنفعة العامة من عدمها. وهو ماييسر للجان القضائية الوصول الى تصور واضح لمآل طلبات المدعي.

فاذا كان المدعي (على افتراض استحقاقه) قد اقام الدعوى مطالباً باستعادة العقار، وأبدت الدائرة الحكومية تمسكها به لتحقق المنفعة العامة منه. فان اللجنة القضائية ستتجه لتعويض المدعي. وبذلك تنتفي المصلحة اصلاً من وضع إشارة عدم التصرف على العقار.واذا كان المدعي قد اقام دعواه للمطالبة بالتعويض، فلا يوجد مبرر لوضع الاشارة على العقار.

ولغرض تمكين دوائر الدولة المتمسكة بالعقارات موضوع الدعاوى واستعدادها لتعويض المدعين (في حالة الاستحقاق)، وللافادة من تلك العقارات او الاراضي في اعمال الدوائر المعنية يتطلب:

ان يقدم ممثلها القانوني طلباً لرفع إشارة عدم التصرف عن تلك العقارات، كون هذه الدوائر ضامنة للتعويض عنه للمدعي في الدعوى.

4. يعد وضع إشارة عدم التصرف من صلاحية اللجنة القضائية. وقد منح قانون الهيئة النافذ سلطة تقديرية لرئيسها لوضعها من عدمه وبموجب ما يترأى له من حيثيات الدعوى. وان اللجنة ملزمة بتطبيق قانون المرافعات المدنية وقانون الاثبات النافذين.

لذا فأن الهيئة غير معنية باتباع الآليات القديمة المعمول بها وفق القانون رقم (2) لسنة 2006 الملغى، ومنها:

ان يخاطب الفرع الدائرة القانونية بشأن رفع إشارة عدم التصرف عن العقار موضوع دعوى مقامة امامها.وعليه نرى:

ان اللجنة القضائية معنية بتوجيه كتاب مباشرة الى دوائر التسجيل العقاري في حالة وضع إشارة عدم التصرف على عقار موضوع دعوى منظورة امامها. مع اعطاء نسخ منه الى الهيئة (قسم الحاسبة) لتأشيره. ولاعلاقة لفرع او مناطق الهيئة ولا الدائرة القانونية بموضوع إشارة عدم التصرف على العقار موضوع دعاوى منظورة امام واللجان القضائية.

  القاضي علاء جواد

 

لا تعليقات