مجانية التقاضي في

 (( ظل احكام قانون هيئة دعاوى الملكية رقم 13 لسنة 2010))

الدكتور نوار دهام الزبيدي مفتش عام هيئة دعاوى الملكية

 

تقاس الأمم والشعوب بقدرة الجهاز القضائي لديها على التطور والتقرب من المواطن, فضلاً عن التأقلم مع ظروف المجتمع وما يطرأ عليها من تغيرات , وبهذا يبقى القضاء صمام الآمان وحاميه من كل ما يتهدده او يعيق سيره على الوجه الاكمل ،  بل هو الضامن للتوازن بين افراد المجتمع ومكوناته ومؤسساته.

وعلى اثر التغيير الذي حصل في العراق بسقوط الدكتاتورية في 9 / 4 / 2003 ، فقد وعى القضاء دوره في العمل عن تطوير رصيده المعنوي تأميناً لمواكبته لأحدث اساليب العمل من اجل تيسير قيامه برسالته النبيلة المتعلقة بمبادئ اشاعة العدل وضمان حقوق المواطن مادياً ومعنويا.

ان الجهاز القضائي في العراق لا يزال يحظى بتلك المكانة الرفيعة والسامية الهادفة الى ترسيخ أسس دولة القانون والمؤسسات وتعزيز أركان العدل والعمران.

لا بل ان تأمين حريات الإفراد وضمان حقوقهم لا يكون الا من خلال الاستناد الى جهاز قضائي حازم ومن دون تخل  منه عن وظيفته الانسانية وهو ما نحرص جميعاً على تأكيده دوماً من  خلال الدعوة الى مواكبة القوانين للمتغيرات داخل المنظومة الاجتماعية بما يعزز حماية حقوق الانسان.

لقد حظي سلك القضاء في بلادنا على امتداد سنوات ما بعد التغيير بعناية متواصلة تجلت في جملة من المبادرات التي كان لها الاثر البالغ على تحسين اوضاعهم المادية والمعنوية فضلاً عن الاصلاحات القانونية الهادفة الى الارتقاء بالعمل القضائي وتعزيز الضمانات الممنوحة للقضاة لتمكينهم من اداء رسالتهم النبيلة في ارساء اسس العدالة وترسيخ سيادة القانون.

اضافة الى تقريب الخدمات القضائية من المواطنين وتكريس مبدأ التقاضي على درجتين واعتماد مبدأ مجانية التقاضي , فضلاً عن تحسين الخدمات المسداة للمتقاضين من خلال الاسراع باتمام المعاملات عبر مواكبة احدث التقنيات  الادارية التي كان لها الاثر الطيب في اختصار  الآجال والمسافات من جهة مما انعكست ايجاباً على المتقاضين وتيسير شؤونهم.

واذا كان المقصود بمجانيه التقاضي هو تحمل خزينة الدولة نفقات التقاضي , وان ما يفرض من رسوم على المتقاضين احياناً   او الاعفاء منها في احيان اخرى لا يرقى الى حجم الدعم الحكومي الكبير لمرفق القضاء من مرتبات وابنية ومستلزمات وتأسيساً على ما تقدم , فأن صدور قانون هيئة دعاوى الملكية                         رقم (13 ) لسنة 2010 , بأحكامه الموضوعية والاجرائية و القوانين واللوائح التي صدرت  قبله لتنظيم عمل الهيئة , والتي هدفت اساساً الى تيسير أيصال الحقوق لطالبيها .

من خلال اعتماد آليات للفصل في المطالبات عن طريق اللجان القضائية التي بوشر بتشكيلها منذ تشريع اول لائحة تنظيمية للهيئة                                برقم(4) لسنة2003.

فقد اخذ القانون المذكور  بمبدأ مجانية التقاضي ليستفيد منه كافة اطراف الخصومة  مقراً في المادة ( 12 ) منه على ان (( تعفى اجراءات نقل ملكية العقار الذي صدر فيه حكم  بات بموجب هذا القانون من الضرائب والرسوم المقررة قانوناً )) باعتبار ان العدالة كحقيقة لا وجود لها بمعزل عن القاعدة القانونية , وهكذا فأن المنتظر في الوصول الى العدالة لا بد ان يكون  مجانياً وان من حق كل شخص اللجوء الى قاضيه الطبيعي وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة البت في القضايا ، ومن هنا تصح مقولة رائد علم الاجتماع الانساني عبد الرحمن بن خلدون (( العدل اساس الملك))

غير ان انصار اقتصاديات ادارة العدالة يرون ان مجانية التقاضي قد تفضي  الى استفادة المنكرين للحقوق والجاحدين والمماطلين والمسوفين والمغتصبين  لها مما قد يتنافى مع اساسيات العدالة , وهو الامر الذي يتحتم علينا احياناً وجوب اعادة النظر في ادارة مرفق العدالة وفي التشريعات المنظمة لاجراءات التقاضي وتحميل عبء دعم العدالة ليس على اساس ماتقدمه ميزانية الدولة من اموال  ولكن على اساس ما يتحمله مغتصبي الحقوق والمماطلين في ردها درءاً لعوامل الكيد واللدد  في الخصومة.

ومع ان الهيئة وفروعها ولجانها القضائية لا تتقاضى رسوماً على رفع الدعاوى ولاعلى تبليغ الخصوم وتنفذ الاحكام بها مجاناً ، حيث تتعهد الدولة بتقديم العدالة للجميع مجاناً بحكم ان ذلك من مهامها الاساسية ، لاسيما اذا اضفنا الى ذلك عدم اشتراط توكيل محام للترافع امامها وبالتالي ليست هنالك أي مبالغ مالية يقوم المدعي بصرفها وذلك يشكل جانباً كبيراً من عوامل التيسير الداعية الى الانتفاع من مرفق القضاء من دون تمييز بين المواطنين في الداخل او الخارج.

الان ان ذلك لا يمنع اللجان القضائية العاملة في الهيئة بطبيعة الحال من تطبيق احكام قانون المرافعات رقم  (83 ) لسنة 1969 وقانون الاثبات رقم ( 107 ) لسنة 1979 والقوانين ذات العلاقة في كل ما لم يرد به نص خاص في هذا القانون ، طبقاً لما قضت به المادة ( 6 ) من قانون الهيئة الانف الذكر.

ان رسالة الدولة في اقرار مبدأ مجانية التقاضي وتطبيقاته في الكثير من مجالات التشريع لاسيما في ظل قانون الهيئة الجديد رقم ( 13 ) لسنة 2010  ما هي الا تيسير واحقاق للحق واتاحته للفقير قبل الغني والضعيف قبل القوي وللمحكوم قبل الحاكم , والقضاء الميسر على هذا النحو ما هو الابشير التقدم والعدل والانصاف الذي نطمح في الوصول اليه جميعا

لا تعليقات