هيئة الإنصاف والمصالحة

في المملكة المغربية

لقد شهدت المملكة المغربية خلال الفترة من 1956 ولغاية 1999 أي ما يقارب 43 سنة لإنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بمختلف أصنافها من إختفاء قسري وإعتقال تعسفي وإنتزاع الممتلكات وقد حدثت هذه الإنتهاكات نتيجة أحداث سياسية طرأت على البلد وقد تعرضت خلالها بعض الجماعات والمناطق بشكل مباشر أو غير مباشر لآثار العنف السياسي ، ولغرض إثراء سلوك الحوار وإرساء مقومات المصالحة دعماً للتحول الديمقراطي للبلاد وبناء دولة الحق والقانون وإشاعة قيم وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان فقد تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة في المملكة المغربية بناءً على قرار ملكي وهي هيئة غير قضائية مهمتها معالجة الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت في المملكة خلال الفترة المذكورة الغرض منها الطي العادل والمنصف لملف الإختفاء القسري والإعتقال التعسفي والنفي لأسباب سياسية ولغرض إنصاف الضحايا والمجتمع ولتعزيز الوحدة الوطنية ودولة القانون في إطار هيئات للحقيقة والمصالحة تستند الى قواعد العدل والإنصاف في إطار عدالة إنتقالية وحل شامل ونهائي لملفات الماضي بطريقة إنسانية ومتحضرة.

ثالثاً : مقومات توطيد الإصلاح والمصالحة.

1. مسار ومقومات المصالحة

إنطلق مسلسل تدريجي للمصالحة في البلاد متنوع الأشكال والمجالات منذ بداية التسعينيات أنصب على الأحتكام إلى قواعد المؤسسات الدستورية وتّوج بالتصويت الإيجابي للمعارضة على التعديلات الدستورية لسنة 1996 وتّحملها للمسؤولية الحكومية وحصول توافقات حول جملة من القوانين ذات الصلة بدولة المؤسسات وحقوق الإنسان.

2. المداخل الأساسية للمصالحة

أ‌.البوح والإعتراف علنياً بما جرى من خلال جلسات الإستماع العمومية

حيث قامت الهيئة في إطار دعم مسلسل المصالحة بتنظيم جلسات إستماع عمومية بين جهات مختلفة من المملكة من ضحايا الإنتهاكات الجسيمة الماضية من أجل إسترجاع كرامة الضحايا الذين أُنتهكت ب.الحوار الوطني حول مقومات الإصلاح والمصالحة

حرصت الهيئة منذ إنطلاقها على خلق ظروف النقاش الحر والحوار الجاد حول مقومات المصالحة عبر تنظيم العديد من الندوات واللقاءآت والزيارات الميدانية التي همت معظم أرجاء التراب الوطني وفي هذا الإطار قامت الهيئة بتنظيم زيارات ميدانية للمناطق التي عرفت إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الماضي من أجل التواصل بصورة مباشرة مع الضحايا أو ذويهم مما جعلها مكملة للدور الذي لعبتهُ جلسات الإستماع العمومية.

ج. الحفظ الإيجابي للذاكرة ومعالجة موضوع الأرشيفات حيث تتطلب المصالحة مع التاريخ أيضاً أزالة العراقيل التي تحول دون البحث في هذا التاريخ وتنظيم تراكم التجارب بين الأجيال وترسيخ التواصل بينها بما يحفظ الذاكرة.

3. موجز التوصيات وضمانات عدم التكرار

إستندت الهيئة في إطار إعداد التوصيات على:

– المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والإستفادة من التجارب المقارنة في مجال العدالة الإنتقالية في العالم وكذلك الإجتهادات المبلورة فيما يخص علاقة حقوق الإنسان بالديمقراطية في إطار الأمم المتحدة أو الهيئات البرلمانية الدولية.

– مستخلصات التجربة المغربية في موضوع الإنتهاكات الجسيمة المرتكبة في الماضي من حيث أنواعها ومداها والمسؤوليات المؤسساتية التي إرتبطت بها وأوجه الخصائص في مجال القانون والعدالة والأحكام الدولية.

– الدراسات والأبحاث العلمية للنصوص التشريعية والتنظيمية ذات الصلة بحقوق الإنسان أو تلك التي قد يكون لها أثر سلبي أو إيجابي على إحترامها والتمتع بها مما مَكَنَ تبين ما يتعين تعزيزهُ وتقويتهُ أو إلغاؤه او أتمامه أو وضعهُ لأول مرة على صعيد الضمانات والأسس.

– الدراسات التي مكنت من الوقوف على تعزيز صلاحيات ووظائف الجهات المعنية أو المتداخلة في مجال حقوق الإنسان من حيث ممارستها لمهامها.

– اللقاءآت الحوارية والتشاورية مع الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية المعنية وممثلي السلطات العمومية.

– إجراء مناقشات معمقة وعلى مراحل بين أعضاء الهيئة بصفة جماعية ومن خلال فرقها والمتخصصين على صعيدها تستمر وإلى حين الإتفاق النهائي على مضمونها وصياغتها.

ومن أجل ضمـان عدم تكرار الإنتهاكــات الجسيمة لحقوق الإنسان قدمت الهيئة مجموعة من التوصيات تتعلــق بالأصلاحات المؤسساتيـة وبإستراتيجيـة وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب وبتتبع تنفيذ التوصيات:-

1. دعم التأهيل الدستوري لحقوق الإنسان كما متعارف عليها دولياً وذلك عبر ترسيخ مبادئ سمو القانون الدولي على القانون الوطني وقرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة كما أوصت الهيئة بتعزيز مبدأ فصل السلطات وبمنع الدستور لكل تدخل من طرف السلطة التنفيذية في تنظيم وسير السلطة القضائية وأوصت كذلك بتقوية المراقبة الدستورية للقوانين والمراسيم التنظيمية المستقلة الصادرة عن الجهاز التنفيذي وكذلك منع كل أشكال التمييز المحرمة دولياً وكل دعوة او تحريض على العنصرية والكراهية والعنف.

2. إقرار وتطبيق إستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب حيث تدعو الهيئة إلى وضع إستراتيجية وطنية متكاملة مندمجة ومتعددة الأطراف في هذا المجال وتعتبر أن مكافحة الإفلات من العقاب تتطلب إضافةً إلى الإصلاحات القضائية ، وضع وتطبيق سياسيات عمومية في قطاعـــات العدالة والأمن وحفظ النظام والتربية والتكوين المستمر بمشاركة فاعلة للمجتمع برمتهِ ، كما أكدت الهيئة على ضرورة الإستناد إلى قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان بملائمة التشريع الجنائي والإلتزامات الدولية للمغرب وذلك بـ:

أ‌.إدماج وتعريف المسؤولية والعقاب المستحق كما حددتهما الأدوات الدولية.

ب.تخويل الموظفين العموميين ووكلاء السلطة والأعوان المؤتمرين بأوامر رؤسائهم واجب التبليغ عن كل المعلومات التي تدل على فعل أو محاولة إرتكاب الجرائم السالفة الذكر أياً كانت الجهة الأمرة بذلك.

ج. وضع مقتضيات خاصة لحماية ضحايا الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وذويهم عند الإقتضاء من حيث الإستماع أثناء البحث والتقصي كطرف مدني امام الجهة القضائية المختصة ومن حيث التأهيل وجبر الضرر.

3. تعتبر الهيئة أن توطيد دولة القانون يتطلب إضافةً إلى ذلك إصلاحات في مجالات الأمن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية لذا فأنها توصي على الخصوص بـ:-

أ . الحكامة الأمنية التي تتطلب تأهيل وتوضيح ونشر الإطار القانوني والنصوص التنظيمية المتعلقة بصلاحيات وتنظيم مسلسل إتخاذ القرار الأمني وطرق التدخل أثناء العمليات وأنظمة المراقبة وتقييم عمل الأجهزة الإستخباراتية والسلطات الإدارية المكلفة بحفظ النظام أو تلك التي لها سلطة إستعمال القوة العمومية.

ب.تقوية إستقلال القضاء التي تتطلب فضلاً عن التوصيات ذات الطابع الدستوري ومراجعة النظام الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بواسطة قانون تنظيمي تراجع تشكيلتهُ ووظيفتهُ بما يضمن تمثيلهُ أطراف أخرى غير قضائية داخلة مع الإقرار بإستقلالهِ الذاتي بشرياً ومالياً وتمكينهُ من سلطات واسعة في مجال تنظيم المهنة ووضع ضوابطها وأخلاقياتها وتقييم عمل القضاة وتاديبهم وتخويلهُ إعداد تقرير سنوي عن سير العدالة.

ج.إعادة تأهيل السياسة والتشريع الجنائيين التي تقتضي تقوية الاسس والضمانات القانونية ضد إنتهاكات حقوق الإنسان وتفعيل توصيات الندوة الوطنية حول السياسة الجنائية المنعقدة بـ(مكناس) سنة 2004 وإدراج تعريف واضح ودقيق للعنف ضد النساء طبقاً للمعايير الدولية في هذا المجال وتفعيل توصيات المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان الخاصة بالمؤسسات السجنية (توسيع إختصاصات قاضي تطبيق العقوبات وإعتماد عقوبات بديلة).

4. آليات المتابعة

أوصت الهيئة بعد إنتهاء ولايتها إحداث آليات وأسس لمتابعة القضايا التالية:-

-تنفيذ المقررات المتعلقة بالتعويض ومتابعة تفعيل التوصيات حول الأشكال الأخرى لجبر الأضرار بما فيها التأهيل الصحي والنفسي للضحايا وبرامج جبر الضرر الجماعي.

– تفعيل التوصيات الخاصة بالكشف عن الحقيقة بالنسبة للحالات التي لم يتم إستجلاؤها.

– تفعيل توصيات الهيئة المتعلقة بالإصلاحات.

 

لا تعليقات

اترك تعليق